اقتصادية /عقارات

في سوق يشهد فيه القطاع العقاري جموداً لافتاً، بات السؤال عن الأسباب التي جعلت الأسعار تحافظ على مستواها رغم الانخفاض البسيط الذي لم يتجاوز الـ%30 في حدّه الأقصى؟


يتفق الخبير العقاري رجا مكارم ونائب رئيس جمعية منشئي الأبنية عاطف داغر في حديثهما الى "النهار" على جمود السوق العقارية حتى بات المطوّرون والتجار يفتشون بـ"السراج والفتيلة" عن زبائن يغرونهم بالشراء عبر تخفيضات تصل الى 30%. هذه النسبة يعتبرها مكارم وداغر كبيرة نوعاً ما نظراً الى الكلفة التي يتكبّدها هؤلاء وخصوصاً حيال اسعار العقارات (الاراضي) التي لا تزال اسعارها على حالها. وبرأيهما أن هذه النسبة من التخفيضات لم تكن لتحصل لو لم يكن التاجر في حاجة الى السيولة.
فالدراسة الأخيرة التي أجرتها شركة "رامكو" والتي يستند اليها مكارم لتدعيم رأيه، اظهرت أن تجار العقارات (الاراضي) لا يزالون يطلبون الاسعار نفسها التي كانوا يطلبونها قبل سنة، وهذا ما سيبقي اسعار الشقق الجديدة على مستواها.
ومع الجمود الذي تشهده السوق، ليس مستغرباً أن يفتش المشتري عن التاجر الذي يجري له أكبر نسبة من الحسومات، فيما يؤكد مكارم أن هذه النسبة لن تتجاوز الـ 25 و30% عند التاجر المضطر للبيع، علماً أن التخفيضات لا تنطبق على الشقق الصغيرة كون الطلب عليها أكبر، ولكن يمكنها أن تنطبق على شقق تراوح مساحتها بين 200 و250 متراً، مشيراً الى ان ثمة 400 بناية قيد الانشاء حالياً.
وإذ يلاحظ غياب الخليجيين "بيعاً وشراء"، يشير الى الجمود الذي تشهده السوق العقارية بسبب سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية، معوّلاً على الوضع الأمني المستقر الذي يحرّك السوق نوعاً ما، ليختم بالقول: "القطاع العقاري لا يزال واقفاً على رجليه... ولكن الى متى يمكن أن يصمد، لا نعرف".
ويبدو أن تردّد المشترين مردّه الى الأوضاع المتوترة في المنطقة وهذا يبدو بديهياً برأي داغر، "فالناس تفضل أن تبقي "الكاش" بيدها خوفاً من أي تطوّرات أمنية قد تحصل في لبنان". وفي الانتظار يتركز الطلب حالياً على "الشقق في بيروت التي تراوح مساحتها بين 70 و140 متراً، أما الشقق التي تتجاوز مساحتها الـ150 متراً فإن الطلب عليها خفيف جداً رغم التخفيضات التي يجريها التجار". والجمود لا يقتصر على منطقة محددة دون أخرى، فهو "يطاول كل المناطق بما فيها الضاحية الجنوبية التي ارتأى عدد كبير من سكانها الانتقال الى قراهم في البقاع والجنوب خصوصاً مع سهولة العيش والمواصلات أكثر من المدينة"، وفق ما يقول داغر.


ورغم الجمود الحاصل، يشير داغر الى أن "ثمة مشاريع جديدة يتم انشاؤها بمساحات صغيرة واسعار مقبولة، وتتركز خصوصاً في الاشرفية والصيفي. في حين تراوح الاسعار في المناطق الاخرى مثل الباشورة والبسطة وزقاق البلاط بين 1800 دولار و2300 للمتر الواحد. أما واجهة بيروت البحرية (الروشة والرملة البيضاء) فهي تشهد غياباً شبه تام للمشترين رغم انخفاض سعر المتر الواحد فيها من 10 آلاف و12 ألف دولار الى 7 و8 آلاف".


هذه الوقائع أضاء عليها التقرير الذي اعده قسم الأبحاث في بنك عوده عن القطاع العقاري وحمل عنوان "تقلبيّة ضيقة في الأسعار وسط بعض التباطؤ في النشاط في سوق تشهد صموداً مستمراً"، إذ أشار إلى أن السوق العقارية والمدفوعة بشكل أساسي بالمقيمين المحليين مع تراجع الطلب الخارجي شهدت نشاطاً بطيئاً في الآونة الأخيرة وسط التجاذبات السياسية الداخلية واستمرار الاضطرابات في سوريا. إلاّ أن القطاع العقاري لا يزال يتسم بدرجة مؤاتية من الاستقرار على الرغم من المناخ العام الضاغط، أي على صورة القطاعات النقدية والمصرفية التي أظهرت مناعة لافتة في الاعوام الأخيرة.
ويوضح كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عوده الدكتور مروان بركات لـ"النهار" أن "أسعار العقارات شهدت مناعة نسبية نظراً الى العوامل البنيوية التي تتسم بها السوق مثل الطلب الحقيقي في سوق يخيّم عليها طابع الاستخدام الشخصي، الرافعة الاقتراضيّة المتدنيّة لدى المقاولين وندرة الأراضي المتوافرة في بلد صغير الحجم نسبياً"، علماً أن السوق وفق ما يؤكد بركات، "شهدت بعض الحسومات في الأسعار أخيراً والتي لا تتجاوز نسبة 15% في حين أن المكتسبات لفترة 2006-2010 تتعدّى الـ 35% في السنة".
ماذا عن المستقبل القريب للسوق؟. يلفت بركات الى انه في حال بقي الوضع الراهن على ما هو عليه، فإن نشاط المبيعات العقارية سيبقى بطيئاً والمخزون غير المباع من الشقق من المرجح أن يستمر في الازدياد، في حين أن الأسعار ستستمر في الميل نحو المنحى التنازلي مع حسومات ممنوحة على حجم منخفض للمبيعات وفق سقف محدد لشروط التفاوض".
ولكن هذه الصورة قد تتغيّر في حال توصلت الأطراف في لبنان إلى تسوية سياسية، إذ يلفت بركات الى أن المناخ الاستثماري قد يتحسّن على نحو ملموس، ولكن ربما لن يؤدي ذلك إلى ارتفاع مهم في الأسعار في المدى القريب، لا سيما وأن تصفية مخزون الشقق غير المباعة قد تستغرق وقتاً.
غير انه في حال تحقق السيناريو الأخير بالتزامن مع بوادر تسوية إقليمية، فإن وتيرة النشاط العقاري قد تتغيّر نحو الأفضل. إذ يرجح بركات "ألا يبقى المشتري اللبناني وحيداً في السوق العقارية التي ستشهد عودة المشترين الأجانب وخصوصاً المستثمرين الخليجيين، وتالياً فإن النشاط قد يزداد ثباتاً ومخزون الشقق غير المباعة قد يتقلّص على نحو أسرع. وبمجرد أن تشكل حركتا الشراء والبيع معادلة أكثر توازناً، فسيكون المجال مفتوحاً أمام الأسعار للنمو مرة أخرى".


وإذ لا يتخوّف بركات من الأخطار العديدة التي تؤدي الى انهيار الأسعار، يلفت الى ان "أسوأ السيناريوهات يتمحور على بقاء الأوضاع السوقية الراهنة على حالها من دون انخفاضات ملحوظة في الأسعار. ولكن قد يأتي الوقت الذي تبدأ فيه الأسعار بالارتفاع مرة أخرى، علماً أن التوقيت غير واضح المعالم حالياً".

 

أخبار ذات صلة
  • 2016-09-24 .

  • 2015-06-16 .

  • 2015-05-15 .